Saturday, 14 March 2020

.. اللهُ خيّرُ حافظ

لربما ترددت على أسماعنا، خاصة في الوقت الراهن، آية ليست كأيِّ آية، ومن شأنها أن تبث الراحة والطمأنينة في قلب كل من حولنا، أوردها الله عز وجل على لسان نبيِّه يعقوب عليه السلام في سورة يُوسف، إذ قال فيها جلَّ في علاه: "قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين (64)".

القارئ لتلك الأحرف الثمينة والكلمات اللامعة بالإيمان التام بقدرة الله سبحانه وتعالى يلمس معجزة الله التي تنفرد بين حرفين لا ثالث لها كُن لتكون، ذلك الإيمان بقوة الخالق وحكمته التي تشمل كل جنوده من مخلوقات مريبة وفيروسات جديدة بثت الذعر في قلوبنا هذه الأيام، حتى باتت تُسابق -والعياذ بالله- تسليمنا لمشيئة الله، التي توارت -وأخشى أن أقولها- بين قلق وخوف وتعقيم بين ثانية وأخرى وفي كل نفسٍ نتردد قُبيل أن نبادر في شهيقه، في زمنٍ اختلفت عوامل الحياة فيه بكل ما فيها.

كلمات نبي الله يعقوب عليه السلام، إذا ما أمعنا النظر فيها، هي لم تأتِ من فراغ، فخوفه على ولديه، جعلته يسلم مخاوفه كافة، وفزع قلب أبوته، لحفظ الله، ولا لأحد سواه. ومن ذلك اليقين، ومن تلك القوة الإيمانية الصافية، تحققت أمنيته بعودة ولديه له يُوسف وبنيامين عليهما السلام كما لم يشهدهما من قبل، فأين نحن من ذلك اليقين؟!

وهنا نحن نقف، وحَبذا إذ ما اقتبسنا طيفاً واحداً من قوة اليقين تلك في ظلِّ كل الظروف الشائكة التي نمر بها، لنردد بيقين "الله خير حافظ وهو أرحم الراحمين"، ملتمسين معانيها بالقلب قبل أن تترجمها حاسة نطقنا، فنؤمن بها بكل حواسنا ونستشعر عظمتها ومشيئة الله فوقها، التي لا يضاهيها كائن في هذا الوجود بأسره؛ لنردد: "فاللهم إنك خير حافظ فاحفظنا وإنك أرحم الراحمين".

غدير المزيني

Wednesday, 4 March 2020

ارحموا مَن في الأرض يَرحمُكم مَن في السماء


تتكاثرُ الصراعاتُ والأوبئة في زمن بات مختلفاً تماماً عما عهدناه في عصور أجدادنا لنسمع بسُلالات لأمراض لم نكن نعي أننا سنسمع بها يوماً ما. فتارةً انفلونزا لطيور، وآخراً لخنازير، ومؤخراً لمرض يتمدد كالفقاعة في قارات وبلاد العالم دونَ استثناء "كورونا"، المتكاثر فزعه بين شعوبنا ومجتمعاتنا كالنار المُتولدة في الهشيم

كلُّ بلاء ـ وإذا ما أمعنا النظرـ في ازدياد مُطرد يحاصرنا من كل حدبٍّ وصوب، فيما يتناسب عكسياً مع مفردات ومشاعر في طريقها للاندثار والانقراض، ولرُبما سنشهدها يوماً مُحنطةً في متاحف من ندرتها؛ وهنا يتربع على صدر القائمة وهذا على سبيل الذكر لا الحصر: المروءة والحياء، والأهم من هذا وذاك مخافة الله ـ وهنا القصد سراً قبل العلن

وجه الشبه بين "كورونا" والظلم، الذي نتنفسه كل يوم ولا كمامة لارتدائها للوقاية منه، حتى بات تلوثه يخنقُ روح العدالة فينا والفطرة السليمة الحيّة التي جُبلنا عليها، يكاد يكون لا يختلف بشيء سوى بتلك الحروف التي تهجأ مفردتا الكلمتين، ولم لا، ونحن نشهد القهر في البيت الواحد وبين أفراد العائلة الواحدة يزداد بمرور الأيام، ويُبهرنا بمشاعر القسوة التي لم نشهد لها مثيل من قبل؛ فهذا هو الأخ يقسو على عضده، وها هي الابنة تتنحى عن لحمها ودمها ببرود جامح، وها هم أولاد العم مواقفهم المتزايدة لا تزيد شيئاً سوى من يقينك بتلك المقولة التي تقول "الأقارب عقارب"، لتؤمن وتُسلِّم بها عن ظهر قلب

وبين هذا كله نختلف في ألواننا ومللنا ورُبما في أجناسنا ونتلاقى جميعاُ عند علامة الاستفهام التالية: أين الرحمة؟ خاصةً إذا ما توجهت بوصلة قلوبنا وأكفنا نحو المولى؛ سائلين إياه بدفع البلاء والأسقام عن بلادنا وأجسادنا؛ راجيين أن تغشانا رحمته التي وسعت كل شيء، وبيْدَ أننا نراها فيما حولنا ونلمسها في كل طريق نسلكه وفي كل درب نتوجه إليه، ما زلنا نقسو ونظلم ونأكل الحق دون أدنى مراعاة لمسكين أو ضعيف أو حتى يتيم، وكأننا نستثني أنفسنا من رحمة عباد الله في أرضه، ثم نستغرب من عدم نيلنا رحمة رب الأرباب، ونندهش بكل هذا السخط الذي يتنزل علينا بل ويستقصدنا؟

دعوةٌ هنالك بين السطور وفي ذيلِّ كل كلمة خُطت للتحلي بالرحمة؛ بدءاً من أن نرحم ذواتنا؛ كيّ يُنظر لنا بعين العفو من رب كريم فيرحمنا ونحن المقصرين المذنبين. ولنُكن ممن قصدهم سبحانه وتعالى وخاطبهم في كتابه بنعتهم بـ "أولي الألباب"ـ أصحاب العقول النيّرةـ ممن ربطوا بين البلاء وتقصيرهم على الفور، وراجعوا صفائح أعمالهم؛ فمسحوا السيئة وأردفوها بحسنة تنعش الروح بين طوابير أعمالهم َّعلى اختلاف مواقفها وتبايّن ردود أفعالهم نحوها، فإنه جل في علاه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما في أنفسهم


غدير المزيني


Wednesday, 19 February 2020

! مصائبُ قومٍ عندَ قوم فوائدُ

تقعُ في مصيبة، فتتوقف عن التفكير، تُحيط بكَ هالةٌ سوداء من الإحباط واللامبالاة والهموم التي تتهافت عليك من كل حدبٍ وصوب، وكأنها تنتظر مد الاكتئاب أن يغمرُ شاطئك حتى ينفرج انحسارها وتتنوع بين مدٍ وجزر، ثم لا تلبث أن تتكاثف كسحابٍ في سمائك الشاحبة لتهطل بغيثها المُنهمر اللامنقطع عليك بأحاسيس جمّة محورها الاضطراب والتقاعس عن مواصلة الدرب. 

ثم تقرر بغتةً الخروج عن صمتك، فتبدأ باتخاذ قرارات على رأسها.. الانعزال والابتعاد عن كل من حولك مرة أخرى، وتختفي خلف زجاج عينيّك، لتبصر كل الأحداث والأشخاص من حولك وأنت خارج الدائرة، ولكنك ودون أن تلاحظ على اتصالٍ صامتٍ غير مباشر بها.

وحالما تتخذ وضع المُتنحي المشاهد عن بعد لسيّل الأحداث والمواقف العارمة من حولك؛ هل لاحظت أن بعضهم قد استفاد من مصيبتك هذه؛ على اختلاف حالها وكيفية حدوثها ودرجة ألمها وما أصابت قلبك من وجع؟ ! 
اسأل نفسك: هل آن الأوان أن تؤمن وتسلِّم بقول لطالما سمعنا به وهو أن "مصائب قوم عند قوم فوائد"! 
 فعليّاً.. كم من مصيبة نزلت بنا لإرادة آلهية نجهل حكمتها، ثم تقاعسنا بسببها وأعطينا من خلالها "الفرصة" على طبق من ذهب خالص لذلك الشخص المتربص الذي ينتظر وقوعنا، كي يخطف البساط من تحت أرجلنا ويلمع، وكأننا نحن من ندفع له تكلفة حساب توهجه في سماء غلب عليها إحباطنا لظرف كنا قد مررنا به. 

لكل تلك الظروف التي كانت سحابة ثقيلة نوعاً ما في سماء صيفنا، ومهما كانت شدتها وقوة برقها ورعدها في اضطراب خطة مسيرنا نحو القمة، علينا أن نتعلم مهارة وضع الأمور والظروف والمواقف، ولربما الأشخاص كذلك، في نصابها الصحيح، دون أن تطغى كفة ميزان على توأمتها، ودون أن نقدم الفرصة لذلك المُترقب لفشلنا لكي ينال مراده على حسابنا. 

الأمر - ودون أدنى شك- يحتاج إلى تدريب ذواتنا قدر الإمكان وبالقدر المطلوب على تجاهل مُصابنا مَهما كبر؛ خاصةً عندما يتصارع مع مصالحنا، وتقديم مصلحتنا؛ لجنيّ ثمارها بأنفسنا والاستمتاع بها، فلعلَّ وعسى أن تقلل متعة انتصارنا من فجيعتنا ولربما توأدها في مهدها. وعلينا أن نُدرك أن الانتصار الفعليّ لا يعد نصراً حقيقياً في الرخاء، وإنما ما يجعل مذاقه ينضج ويستطيب ويكتمل يّنعه هو مقدار الصعوبة التي خرج من رحمها حتى لقط أنفاسه الأولى باتجاه شرنقة الحياة. 


غدير المزيني 

Tuesday, 11 February 2020

اظفر بنفسك .. تربت يداك

   

بين رتم الأيام المتسارع، نتصارع على حلبة الحياة مع مواقف جَمة، بعضها متوقع وآخر لم نكن نتوقع أن نلتقي فيه في صحائف أيامنا، وبين هذا وذاك تجدنا نساوم ونراهن ونحتار كيف التعامل مع وقعها بشكل يناسب ضمائرنا وما جُبلنا عليه لعقود طويلة من الزمان.

وما أكثر خساراتنا! إذا ما رصدنا ما خسرناه بورقة وقلم، وسجلنا جرداً لكل المواقف التي لطالما مررنا بها ومرت بنا، وفي المقابل أيضاً علينا أن نقر بكسبنا وما ربحناه في تجارة الحياة، وهكذا تأرجحنا في كفتيّ الميزان بين عقائد ومُسلمات لطالما كانت الحبل الذي نربط بها جواد أعمارنا ونشدد به تارةً ونرخي تارةً، للمُضي قدماً أو حتى الرجوع إلى الخلف، لتصحيح مسار أو إعادة النظر فيما جدولناه في مذكراتنا التي سنبقى نذكرها ونعيش على عبقها إلى يوم يبعثون.

لكن الأجدى والأهم بين كل تلك الخسارات والمكاسب، أن نكسب أنفسنا في المقام الأول والأخير، وأن نجعل لها إطار ذهبي عيار 24 لا يصدأ ولا يتغير لونه يحفظها من تيارات الزمان وعدوى الوجوه التي نلتقيها بأشكالها المتغيّرة، وطالما أننا وفي أيِّ موقف- مهما صغر وقعه أو كبر- كسبنا أنفسنا، فسحقاً لكل خساراتنا، وطوبى لنفسٍ عزيزة يرتبط صداها بتردد اسمنا ما حيينا.

وعلينا أن نعيش لنسأل ذاتنا يومياً السؤال التالي: "ما قيمة أن نكسب كل شيء ونخسر أنفسنا"؟

ما قيمة أن نكسب صفقة بهتاناً وزوراً وقد خسرنا مبدأً كنا لطالما نؤمن به إذا ما فرقتنا الطرق ووقفنا على قارعتها، وما تلك الجدوى التي سنجنيها من علاقة كانت لنا كل شيء، ولكنها استهلكت بقايا الروح فهمشتها ودثرت الحياة فيها! وما الفائدة التي سنقدمها لذواتنا قبل الآخرين عندما ندوس على كرامة الحياة بأعيننا ونقبل بحياة لا تليق بنا ولا تمثلنا حتى تجعلنا نتعرف على أنفسنا لأول مرة كلما هممنا للنظر إلى المرآة! أسئلة كثيرة ستتردد علينا وإجابتها مجتمعةً واحدة بأن الكسب الحقيقي هو نفسنا بالطبع وفي أحسن تقويم كما خلقها بارئها، وأيُّ كسب فيما سواها هو مؤقت يزول بزوال مؤثره ثم لا نلبث أن نرثيه.

غدير المزيني

Friday, 3 January 2020

"شهادات "فولسو


يحدث أن يتخرج شخصاً بتقدير عالٍ من كلية لا بأس بها واختصاص يُشار إليه بالبنان، فتجد والده يَشدُّ الظهرُ به كونه مهندساً أو طبيباً.. وألخ من وظائف ارتبطت بـ"برستيج" اجتماعي معين في أذهاننا لعقود طويلة من الزمان حتى حاوطتها صورة نمطيّة لتصنيف أصحابها ممن يمتلكون شهادات الاعتراف بها على أنهم على قدر عالٍ من المعرفة والاطلاع والأسلوب المُنمق. 

وهنا كانت الطامة.. كبرنا وعاصرنا وعاشرنا شخصيات جامعية كثيرة تحمل شهاداتٍ إن صح القول - "وهميّة"- لا تمدُّ إلى الواقع بِصلِّة، وكأنها "فولسو" يغركَ شكلها، بيْدَ أنَّ حقيقتها جوفاء، فارغة تفتقر إلى أدنى المقومات على الصُعد كَافة من التعاملات الإنسانية، والدرايّة بالقواعد القانونية التي نستمدها من شرعنا الحنيف. لذا فلا تستغرب إن وجدت أخانا في عمله يباشرُ بتصاميم لأبنيّة ومصانع، في حين أن عقله يفتقر إلى الكثير من العمار، وكلمة الكثير لا تصف مأساة الحقيقة مهما وصفت الكلمات. 

لذلك علينا جميعاً أنَّ نقفَ وقفة في تربية نشأ جديد تتواءم مخرجاته التعليمية مع معايير أخلاقية وتعاملية عدة نغرسها فيه منذُ الصغر، حتى تكون بكفتي الميزان سواء لا يطغى أحدهما على الآخر. فما فائدة وجدوى الشهادة إن كانت حبراً على ورق لا تغير من فحوى كينونة الشخص وما جُبل عليه من مبادئ وقيم باتت اليوم في عصر الانقراض في زمن اختلط به الحابل بالنابل، حتى أضحى صاحب الشهادة من فئة الـ "فولسو" جاهلاً بالعديد.. العديد.. من الأمور الحياتية المعيشية التي لا يمكنه أن يحيى حياة سليمة دونها، فكيف له أن يصبح قبطان سفينة ويبحر في مصاعب الدنيا وتحدياتها وهو لا يتقن إدارة الدفة والوجهة التي عليه اتخاذها؛ لتتفاجئ بفشل مزري للدكتور والمهندس..، وغيره من أصحاب المهن ذات الألقاب، عند دخوله معترك الحياة الحقيقي! 

غدير المزيني 

Thursday, 26 December 2019

رُزنامة 2019


تمرُّ الأيام، وتخطف الشهور نفسها فتعبر رصيف العمر، ومن عام إلى عام نكبر وتكبر فينا أحلام ولرُبما أفكار، وأحياناً نكبر نحن على مسلمات كنا نؤمن فيها في مرحلة ما، ثم ما لبثنا أن غيرنا تاريخ صلاحيتها لسبب ما طرأ على رُزنامة العمر الذي نتبلور فيه أكثر، وننضج على نار هادئة كلما مررنا به ومرَّ هو بنا. 

ولعلَّ من أبرز تلك الأفكار التي كانت تسيطر علينا وتأسرنا في دوامتها هو أن حالنا سيقف، بل سيظلُّ على ما هو عليه؛ فتجدُّ نفسك تقف أسيراً لأقدار كانت كمنعطف في طريق توجهك لمرحلة تستلم زمام المُضي بها قدماً، ثم ولسبب ما، خارج عن إرادتك ولتدابير ما آلهيّة، انكبحت قدرتك على السيّر، بيْدَ إنك ما زلت في أرض السباق وعتادك صالحاً للركض بملء إرادتك نحو المقدمة لحجز مطرح لك على سلم المجد يليقُ بك. 

ولكنك عندما توقفت مؤقتاً أيقنت أنَّ "ليس كل ما يتمناه المرء يدركه" فعلاً، فأحياناً كثيرة ومريرة تمشي الرياح بما لا تشتهي السفن، في حين أنَّ عجلة الحياة من حولك لا تأبه بك فهي ظلَّت تدور، والشمس مازالت تشرق في كل يوم وتودعنا عند مغيبها، لتعود مجدداً تشرق وتغرب في سلسلة متواصلة من اللقاء والغياب، والمواسم ها هي تتبدل، وكلٌ يسبحُ في فلكه؛ لينتهي عام ويبدأ عام جديد، يستقبله كل واحد على طريقته، بقائمة جديدة لأحلامه وأمنياته، بالرغم من كل التقهقرات والتقاعسات، فلا أحد يقف ويطيل الوقوف على فقدانك وأنت كذلك لا تقف على فقدان أحد وكل ما يهمك في مشوارك هو أنت.. أنت وحدك. 

عامٌ جديد يشرّف كعادته على الأبواب، ليقرع رُزنامة عمر يمضي بنا على عَجل، دونَ أن ندري، ليصل يوماً ما مهما غضضنا الطرف إلى النهاية.

وبينَ عام وعام تتبدلُ الأحوال والأحلام، وكل منا يتمنى الخير شمساً تشرق في صباحات أيام عمره التي زادت عدداً في تاريخ أعوامها، ورفدت سجلاته بـالكثير.. الكثير.. من اللحظات والمواقف التي أوصدنا الباب عليها على مصراعيه، ومازلنا عالقين بدروس استفدناها، فاقتبسناها رفيقة لنا لأعوامٍ قادمة لا مَحالة! 

غدير المزيني